عدم الاستقرار هو الشيء الوحيد الذي نحمله معنا أين ما ذهبنا ، أستأجر أبي بيت مكون من غرفتين وملحقاتهما أصبح لدينا مكان نعيش به ، ولكن الخوف من عدم الاستقرار اصبح هاجساً مؤرقا لنا . الحياة تغيرت بالنسبة لأمي بعد أن وجدت مكان تختلي به مع أبي . أصبحت الحياة بالنسبة لامي مجرد ليل ، جميع الليالي أصبحت حمراء بالنسبة لأمي وأعتقد أن هذا السبب هو الوحيد الذي جعل أبي يبحث عن مكان مستقل لنا لنعيش به . كانت الحياة مغلفة بالعبث والملل ، أراد أبي لنا أن نقتل الانتظار بالدراسة وألحقنا بمدارس حفر الباطن . كانت الدراسة هناك مختلفة جداً ، ويبدأ الاختلاف من الزي المدرسي ، كنا نذهب إلى المدرسة ونحن نرتدي الدشداشة والشماغ ، كأننا ذاهبين إلى إي مكان آخر ويزيد الاختلاف مع المواد التي ندرسها عوضاً عن المواد الأولية كالحساب ، اللغة العربية ، والعلوم ، والاجتماعيات . هناك مواد مستخرجة من مواد مثل الفقه ، التجويد ، القرآن الكريم ، الحديث والدين ، كانت مادة اللغة الإنجليزية مادة هامشية على مستوى الدولة كمادة الرسم والرياضة البدنية أما الموسيقى فهي مادة ملغية من المناهج التعليمية في مدينة حفر الباطن . في مثل هذه المجتمعات يندر وجود فنانين وموسيقيين ، فالموهبة أصبحت الآن وليدة الشارع . فكما قلت في السابق الرتابة تقتل الموهبة ، وعدم وعي البشر في مثل هذه المجتمعات يساعد على قتل روح الموهبة الموجودة في قلب الإنسان . إن الجماليات الموجودة في أعمال دالي و دافنشي ساعدت على بناء الإنسان والروح الموجودة في أعمال بتهوفن ومزارات وباخ أغلقت الهوة الموجودة بين الإنسان ونفسه ، والحياة الموجودة في اعمال رامبو ، و لامارتين ، والمهاتا غاندي ، أوجدت من الإنسان إنسان آخر ! الفن أصبح بالنسبة لنا مجرد كرة قدم وشعر حتى اكتظ الوطن العربي بهؤلاء الهواة ، كل من فشل في حياته اتجه إلى كرة القدم أو أتجه إلى الشعر . وكما قيل عن كرة القدم في هذا الوطن العربي( الاحتراف في الوطن العربي انحراف ) . نصف سنة دراسية قضيناها بالملل ، والتثاؤب ، والضجر ، والترقب . القادة يجتمعون وأنا أريد وطني ، يتحرك الجنود وأنا أريد وطني ، حاولوا أن تفهموا : إن الشعور بالفقد أشد من القتل ، عندما تمر من خلال نظرات الآخرين تظن انك فاقدُ لأحد أطرافك . فالشعور الذي ضاجعناه في الغربة لا يعرفه إلا اليتيم ، رغم الاحتواء الذي كنا نتدثر به ، أننا في وطننا الثاني ، أحترم كرمكم ولكنني أريد وطني فقط ! لتوتر على أشده جميع الجيوش التي ستشارك على تحرير الوطن مستعد ، صواريخ سكود تضيء السماء صافرات الإنذار تولول والباتريوت تعترض السكود في السماء قليلا ما تصيب الهدف هذه السكود ، رغم ذلك لحذر يغلف المنطقة . 15 يناير كانت نهاية المهلة المحدد لإنسحاب الجيوش الصدامية من الوطن وهي المهلة التي حددها مجلس الامن لذلك . كنا ننتظر هذا اليوم بفارغ الصبر ، بدأت الغارات لجوية فجر 16 يناير أي بعد يوم واحد من إنتهاء لمهلة المحدد من قبل مجلس الأمن وأستمرت حتى مقترح 22 فبراير المقترح السوفيتي ، الذي وافق عليه العراقيين والذي يغضي بوقف إطلاق النار وانسحاب الغزاة بفترة أقصاها ثلاث أسابيع وأن يكون هذا القرار تحت إشراف مجلس الأمن . ولكن بوش لم يوافق على هذا القرار وأعطى المجرمون 24 ساعة لانسحاب جيوشهم من كامل الكويت ، وتعهد بأنه لن يهاجم الغزاة المنسحبين . 24 فبراير 1991 بدأت جيوش التحالف بالتوغل في الأراضي الكويتية المغتصبة ، بعد ثلاث أيام من هذا التوغل الجميل تمت السيطرة على كافة الأراضي الكويتية واستعادتها من بنادق المجرمين . دخلوا بأحذيتهم وخرجوا من دونها ، ليتكم جلستكم في بلادكم تخبزون الخبز وتهتمون بشئون بيوتكم عوضاً عن النساء ! ليتكم جلستم تبيعون السجائر على الطرقات ، ليتكم جلستكم تصفقون للعاهرات في المراقص . غرتكم قوتكم والسنوات الثمانية التي مددنا بها أمهاتكم بالحليب لترضع صغاركم ، الآن هؤلاء الصغار الذين أرضعناهم بالحليب المستورد هم من اغتصبنا ، عليكم اللعنة ! ثمان سنوات ونحن ندعم مؤخرتكم النتنة ، منذ عبد الكريم قاسم ومن قبله ومن بعده ونحن نتوجس منكم الشر ، لازلتم تدعون أننا المحافظة التاسعة عشر ، لازلتم تدعون أننا نسرقكم رغم المليارات التي تدينون لنا بها . يقول غاندي : الخيرات الموجودة تكفي حاجة الجميع ، لكنها لا تكفي طمع الجميع . اللعنة عليكم . إن بلد عظيم مثل العراق لا يحكمه إلا الكلاب وأولاد العاهرات ! لو كان لينين حي لبصق عليكم ، وعلى شيوعيتكم . خرجتم تقبلون أحذية الأمريكان ، وترفعون سراويلكم على بنادقكم ، قتلتم الشيعة في كربلاء ، قتلتم الأكراد في كردستان ،وأتيتم لقتلنا في الكويت ! بئس ما أتى بكم . للشهداء الذي غسلوا بدمائهم تراب الكويت هنيئاً لكم هذا النصر .
أسوة ما في هذه الحياة أنها ذات اتجاه واحد . ! كنت أول من وضع رجله على أرض الوطن من أفراد عائلتي ، والسيارة تتحرك قفزة منها لأحقق هذا الأمر . كنت كأول رجل وضع رجله على أرض القمر ، أعتقد أن الشعور الذي بللني هو نفس الشعور الذي تبلل به ذلك الامريكي عندما وضع رجله على أرض القمر . أول ما كنت أفكر به أن أجول بجولة استطلاعية أتفقد بها منطقتي ، عن البيوت التي سرقت ، عن الفتيات اللاتي اغتصبن ، عن النساء الأرامل عن كل شيء عن عدد الشهداء من منطقتي عن الأسرى عن مخلفات المجرمين عن بنادقهم عن سراويلهم عن أحذيتهم كي أحرقها وأحرق ذكراهم على أرض وطني . أين أنت يا عليُ أتراك خرجت أم بقيت على هذا الطهر من العالم ، أبحث عنك بين الأزقة والأماكن المهجورة . أين أنت الآن من هذا الجرح الغائر أتراك هجرت من طفولتك ، وطيشك ، أتراك لست أنت الآن ؟ دعكت أعقاب السجائر ومسحت على علب الدخان البالية أخرج يا هذا المارد الصغير . أخرج لك الأمان . اخرج لقد خرجت الأحذية من وطني ، ثمانية شهور وأنا أنتظر هذه اللحظة أخرج لقد تعبت من التعب . أخبرني أحد أخوته أنه استشهد وهو يسرق ذخيرة المجرمين لصالح المقاومة . وجدوا جثته والطلقة مخترقة صدره ، كان أخيه الكبير من أفراد المقاومة وهو من جند علي لصغر حجمه وخفته على سرقة المعلومات والأسلحة الخفيفة من المجرمين . لا أعلم هل أبكي أم أفرح ، هل أبكي على فقد الصغير ؟ أم أفرح على استشهاد هذا البطل ؟ هل أبكي لأنه أخذ صديقي الوحيد ، أم أفرح لأنه أعطاني هذا الوسام ؟ لماذا هذه الحياة ناقصة دائماً ؟ أخذت وطني وصديقي ، وأعادت لي وطني من دون صديقي ! يا رب إن قلبي أصغر من أن يحتمل هذا الفقد . يا رب إن قلبي صغير جداً على هذا الجرح . السكين أكبر من الضحية ! ساعدني يا رب .
:
يارب
لست بآدم
فعلمني نصف الأسماء !
لا أعلم من قائلها ولكنني محتاج لها بشدة ، محتاج لهذا الكم الهائل من الألم ، ولهذا الاختصار للذات ، ماذا فعلت في غيابي ، هل تذكرتني في لحظاتك الأخيرة ، أم أن الرصاصة لم تعطك القدر الكافي من الذكرى . رحلت وحيداََ وتركتني وحيد ، ليتني كنت معك لأتقاسم الرصاصة وإياك ، مثلما كنا نتقاسم السجائر وعلب السردين والبطاطس ، والبرد والعادة السرية . تركتني وحيداً في هذا المكان المليء بذكرياتك وطيشك . يا لهذه الحياة القاسية ، ليس هناك مجال للعودة إلى الوراء . اسمعوا إيه الناس : لا خوفً عليكم بعد اليوم اطمئنوا ، ناموا وملابسكم الداخلية في الخارج ، استيقظوا وأنتم مطمئنين على أصابعكم لقد مات عليُ ، لا تخف يا صلاح ! عانقني بطمأنينة لقد رحل السبب الذي ضربتك من أجله . يا تجار الغدر إن رصاصتكم التي أطلقتموها قتلت طفلين . ! يا أولاد الكلب إن رصاصتكم التي فجرتموها قتلتني ! مثل ما قلت سابقاً : أسوء ما في الحياة أنها ذات اتجاه واحد ، وأضف على ذلك أنه لا يوجد محطات توقف . الحياة أشبه بقطار آتي من دكار إلى بومباي ، فمن يريد الركوب يركب والقطار يسير ، ومن أراد النزول يفعلها والقطار يسير ، ففي مثل هذه المناطق ترى الركاب فوق القطار ، وأسفل القطار ، وعلى جنبي القطار ، والذين أخطئوا واستقر بهم الحال في داخل القطار يكادوا أن يخرجوا من النوافذ . عندما ترى مثل هذه المناظر تشعر بان الحياة فائضة . الحياة الآن أشبه بدلو امتلئ إلى آخره بالماء ، وربما يعود هذا الخطأ إلى تطور الطب ! فكما تعلمون بان وراء الأسماء الجميلة يختبأ القبح أحياناَ ! ففي السابق كانت الحمى أو الأنفلونزا تقتل الإنسان ، أما الآن حتى الإيدز لا يستطيع أن يقتل الإنسان ! وأظن بان ما يحدث من تطور في الطب يخل في التركيبة البشرية على سطح الأرض . سامحني يا عليُ فالحياة رغماً عن أنفك الصغير سائرة . أصبحت الآن صديق البطل ، أخذت مني صديقي أعطيتني هذا الاسم ، كنت محتاجٌ إلى صديق وليس إلى اسم .
لم ترحل جيوش الغدر هكذا ، فعند رحيلهم أحرقوا الكثير من آبار النفط ، وهذا يدل على الحقد الإنساني العميق .فقد خلف المجرمون كارثة بيئية خطرة جداً ، وما فعلوه يثبت أنهم لا يستحقون الحياة . خلفوا كارثة قال عنها العلماء المتخصصون في حرائق الآبار أن السيطرة على مثل هذه الحرائق يحتاج على أقل تقدير ثلاث سنوات . إلا أن وزارة النفط الكويتية راهنت على فرص خفض هذه المدة ، وحققت الفوز العظيم ، ففي تاريخ 29/10/1991 تمت السيطرة على حقل الأحمدي بئر رقم 24 وكان أول الغيث . بعد سبعة شهور أنجز الفريق الكويتي هذه المهمة مستعيناً بـ18 فريق إطفاء متخطياً جميع الدراسات والبحوث التي تقول ان مثل السيطرة على هذه الكوارث لا ينجز في أقل من ثلاث سنوات ، وها هو قد فعلها فريق الأبطال بسبعة شهور . منذ دخولنا الكويت والجو غائم ، كان الدخان يغطي الكويت ، تزداد نوبات الربو ، تنفق الطيور ، الأسماك تموت ، الحياة لم تكن صالحة للاستعمال . كنا نرى الشمس أحياناً وأحياناً كثيرة لا نراها ، بفضل الله والجهود التي بذلها الفريق الكويتي استطعنا أن ننعم برؤية الشمس في كل يوم ، وما خلفه الجيش العراقي الجبان من الدمار يجعلك تشعر بأن الإنسان كائن قبيح . بدأت رحلت الاعمار وعادت الكويت أجمل مما كانت عليه.
سامحني يا عليً إن كنت نسيتك مرات عدة مع مرور هذه السنوات ، فالحياة أصبحت أكثر تعقيداً ، ومع مشاكلها ينسى الإنسان نفسه أحياناً . كلما ضاقت بي السبل تذكرتك ، عند وفاة جدي تذكرتك ، عندما ضربني إخوة الفتات التي كنت أتودد لها تذكرت ، كنت ما أنفك اردد هذه الدارمية الموجعة كلما احتجت إليك :
جمل جابوك للساحة وناخوك
حبل حطوه بيدينك وناخوك
تريد اليوم تنخاني وأنا خوك
عضيدك يوم صقعات الأجناب .
أين أنت الآن يا على ُ ؟ محتاج لك أكثر من حاجتي لك أيام الطفولة . الحياة الآن أصبحت أكثر قسوة ، ذهبت أيام وطني ! الآن أصبح وطنهم ونحن الآن مجرد ضيوف فقط . كنت في أيام الغزو اصرخ وأنا في السعودية ( أريد وطني ) وأقصد بوطني هو دولة الكويت ، اكتشفت أنني في وطني طوال أيام الغزو .الآن أنا أتساءل لماذا ولدت هنا مادام وطني هناك ؟ قلت لك الحياة أصبحت أكثر تعقيداً ! تدور رحى المعركة في هذه الغرفة الصغيرة التي لا تتجاوز المترين طولياً والثلاث أمتار عرضاً بيني وبين نفسي . لا اعلم على من أضع اللوم على القدر الذي ساقني لهذا الانفصام الوطني ، أم على والدي الذي أوهمني طوال عشرين سنة بأنني في وطني ! كان في نهاية الشهر يذهب إلى البنك ويقبض الراتب كأي كويتي ، يركب السيارة مثل ما يركبون ، يأكل مثل ما يأكلون ، يذهب إلى الديوانية مثلما يذهبون ، وفي نهاية الأمر أكتشف بأنه سعودي مقيم في الكويت . المطر يشتد في الخارج والأرواح يقتلها الجفاف ! في السنة القادمة لا تعد يا سيدي المطر ، إن الإنسان الذي استخلفه الله على هذه الأرض نسي كل شيء واهتم بنفسه ، لسنا بحاجة إليك إن كنت لا تستطيع أن تغسل أرواحنا ! الأرواح متسخة جداً . أحاول أن أجد نفسي في أي شيء في ظل هذا المدى المادي حتى النخاع ، كنت في مراهقتي أقول بأن السبل إن انقطعت بي سأدخل السلك العسكري كأي كويتي يفشل في دراسته ! ولكن الرياح تكره السفن السلك العسكري لا يقبلنا ، وأي سلك حتى سلك الخياطة لا يعترف بنا انقطعت بنا السبل جميعها ، اصطدمنا بهذا الواقع المر ، اغلب اللوم يقع على أبي هو لم يخبرنا بان الحياة تتغير ، وان الفترة التي قبل فيها بالسلك العسكري ستختلف مع مرور الوقت ، جعلنا نبحر مع أحلام أصدقائنا ! تبخرت أحلامنا . وبدأت رحلت الضياع الجديد ، العالم يتحرك ونحن ننظر من النافذة ، تتغير الفصول ونحن ننظر من النافذة ، يكبر الصغار ونحن ننظر من النافذة ، يتزوج الصغار ونحن نلوح لهم من النافذة ! كل من أعرفهم دخلوا الجيش وفتحوا البيوت وأنجبوا الأطفال في هذه المدينة المنبوذة حتى من أهلها ، في مدينة الفشل الحلزوني ، هذه المدينة التي ينفى إليها المغضوب عليهم من أطباء ومهندسين وحتى عمال نظافة . الكل ينفر من هذه المدينة حتى أهلها ، مدينة المؤامرة مدينة العقد النفسية ، مدنية المليون شاعر ! مدينة تحيطها المعسكرات ، مدينة أغلب سكانها يعملون في الجيش . مدينة تروج للعمل في العسكرية حتى أن أطفال المدارس الابتدائية عندما يتحدثون عن أمنياتهم أول ما يذكر من أمنيات هو أن يكونوا في السلك العسكري ،أدمنوا رؤية اللباس العسكري ، و أظنهم أدمنوا رائحة البسطار عندما يبلله العرق . منذ نعومة أظافرنا ونحن نرى اللباس العسكري حتى أصبح هدف الحياة بالنسبة لنا .
نحن مرضى نفسيين ! أغلبنا مصاب بمرض نفسي يطلق عليه اسم ( الشهوة الحيوانية ) وهذا المرض عبارة عن حالة نفسية تقف بين الإنسان وبين الطموح . أجري اختبار لفهم هذا المرض . وقد أجري هذا الاختبار على قط وضعوا له قطة لحم لذيذة خلف نافذة مغلقة القط يستطيع أن يرى قطعة اللحم ولكنه لا يستطيع الوصول إليها ، جلس ينظر إليها فترة طويلة لا هو الذي يستطيع أن يتجاهلها ، ولا هو الذي يستطيع أن يصل إليها . ! ونحن مثل هذا القط فنحن لا نستطيع أن ندخل الجيش ، ولا نستطيع أن نتجاهله . توقفت الحياة بالنسبة لنا ! بودي أن أغسل السيارات ، وأن ألمع الأحذية ، وأن أصنع الخبز ، ولكن المجتمع الذي نعيش به مجتمع يدفع مقابل كل شيء ، يدفع مقابل الجنس ، مقابل الأكل ، مقابل حمل أمتعته ، مقابل تربية أطفاله ، مقابل ضياع أبناءه ، وأنا تعلمت أن أدفع معهم ! الآن أن أدفع ثمن الحياة التي قضيتا هنا . انتهت خدمة أبي في السلك العسكري ، وانتهت الحياة بالنسبة لنا ،. بدأت رحلت ( يجب أن تدفع الثمن ) من رزقهم الله بالشهادة أثناء الغزو تمت رعاية أبنائهم وأصبحوا من أبناء هذا البلد ، ومن لم يوفقه الله برصاصة أثناء الغزو ، قالوا له : شكرا لخدماتك واذهب إلى وطنك ! . لو كنت أعرف وطناً غير هذا لما جلست هنا لحظة واحدة . أين أنت يا عليً قلت لك : أحتاج إليك كثيراً ألا تسمع ، محتاج لك جداً يا عليً . أعتب عليك وأنت صديقي الوحيد . لماذا لم تقرض أبي رصاصة عندما دخل الغزاة ! الآن أبي غير صالح للعمل . وأنا غير صالح للحياة ، هل هذا ما كنت تريده يا عليً . كل شيء أخذ طابع المادة حتى الشهادة أصبحت ذات قيمة مادية . لو أن الحياة تعود للشهداء الذي سقطوا فداء هذه الأرض الغالية وقالوا لهم : إن استشهدتم سنرعى أبنائكم ونعطيهم كذا وكذا ونجعلهم يعيشون أفضل حياة . لقالوا لكم : خذوا أموالكم واتركوا أبنائي ، فأنا لم أنجبهم كي يرعاهم غيري ، ولم أستشهد من اجل أبنائي ، فعندما احتضنت الرصاصة بصدري لم أفكر بأبنائي كنت أفكر بشرف هذا الوطن الغالي ، كنت أفكر بتراب هذا الأرض التي تستحق أن أسقيها بدمي . هذا قدري وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء . الحياة تحولت في نظر الآخرين إلى مادة ! وحتى الاستشهاد يعتبر مادة ، وأظن بأن هناك شيء اسمه استشهاد مادي ، فأي شخص يستطيع أن يقوم بحركة بهلوانية أثناء أداء الواجب وهو مرتدي الزي العسكري ويصبح من الشهداء ويتم رعاية أبنائه أفضل رعاية ، ويعتبر من شهداء الواجب . الاستشهاد شرف وليس مادة .
الكثيرين رحلوا وصرعهم الشوق إلى الوطن ، كم من تابوت تحتاج يا وطني حتى تفكر بالإحساس بنا ، يا وطني رحل عليً ولم يتبقى لي سواك ، إنهم يقاتلونني بك ! أقول لهم أريد وطني ، ويظنون انها نزوة ما تلبث حتى تتبخر ، يعتقدون أنني استيقظت في بلاد بعيدة وقلت : سأذهب إلى هذا الوطن مثلما يستيقظ أي شخص ويقول سأسهر في هذا المرقص ، يعتقدون بأنك أحد الاختيارات العديدة التي خيروني بها . يعتقدون بأنك مقهى أستطيع أن أغيرك متى شئت يقول مظفر النواب :
أنبيك عليًاً
إن أنت أتيت الآن :
لحاربك الداعون إليك
وأسوك شيوعية .
أستطيع أن أحزم حقائبي ، وأن أقبل كل من اعرفهم ومن لا اعرفهم ، وأقطع تذكرة على أي طائرة تأخذني من هنا وأنا انظر إلى مؤخرة المضيفات المكتنزة إلى أي مكان خارج هذا المكان . أستطيع أن ألوح لأي سيارة متجهة إلى الحدود وأقول لسائقها : خذني معك . من الممكن أن أذهب إلى أي مكان أجمل من هذا المكان اقتصاديا ، واجتماعياً ، وحتى إنتمائياً ، ربما أستطيع أن أجد فرصة أفضل للحياة في أي دولة خليجية منفتحة على مصراعيها . أستطيع أن أصافح أي كلب ألتقي به وأن أقول له : تشرفت بمعرفتك أنا راحلٌ غداً . أستطيع أن أرحل إلى أي بلد لا توجد به عقد اجتماعية ، ولا عقد سياسية ، ولا تمييز جنسي ، ولا تمييز طبقي ، ولا تمييز جغرافي ، ولا حتى مشاكل تبول لا إرادي . ومن الممكن ان لا تكون المدينة الفاضلة ، ولكن ربما تكون فرص الحياة به أفضل بنسبة قليلة من حياتي هنا . المشكلة ليست بك يا وطني ، المشكلة في هذا القلب القذر الذي احمله بين أضلعي ، هو لا يريد أن يتوبك ، أنت أجمل غلطة وقعت فيها ، أطهر ذنب أنا أدفع ثمنه ، مع أني لم أرتكبه ، أية الصنم الواقف من الدهر إلى الآن . يا قطعة طين تشكلت على حسب مصالح الآخرين المادية ، كنت أكبر فصغرت ، كنت أصغر فكبرت ، حدودك تقع على حسب مصالح المستثمرين المادية ، أنقذني منك . من المحتمل أن تقتلك السكين التي تصنع بها طعامك . وطني أنا لا أصارع من أجلك لأسباب مادية ولا من أجل أحد . قل لهم أن يرحلوا جميعا ويتركوني وحيداً بك ، ولينظروا أن تبعتهم ، أو لوّحة لهم . كل ما أريده يا وطني هو ان أعيش على ترابك وأنا أحتفظ بكرامتي الإنسانية.
