الجمعة، 14 أكتوبر 2016

الفصل الثاني من رواية : ظل يكسرة الضوء -٦

الجحيم يمر من هنا ..! 




الديوانية : شيء نتميز به حتى النخاع . كل ما يحدث هنا يبدأ من الديوانية ، الزواج ، الطلاق ، الموت ، الحياة ، القتل ، المغفرة ، الفقر ، الغنى ، الحب ، الكراهية ، الوفاق ، الشقاق ، اللقاء ، الفراق ، الهم ، السعادة ، وحتى الشيطان لا يبدأ عمله إلا من الديوانية ! من الديوانية تبدأ الحياة وتنتهي ، الزوج يهرب من زوجته بسبب الديوانية ، المرأة تتشاجر مع زوجها بسبب الديوانية ، وهي عبارة عن مكان مخصص للرجال يجتمعون به في أوقات متفرقة أو في كل الأوقات يتناولون به الشاي ويرتشفون القهوة ، يلعبون الورق ويتحدثون في كل الأمور ، السياسية منها والإجتماعية ، يتحدثون عن علاقاتهم الجنسية ، وعن علاقاتهم الشاذة ، كل ما يفعلونه  هو الحديث وبعد هذا يأتي كل شيء . أنا من رواد ديوانية سالم العيطاني ، ذو أخلاق متوسطة العلو ، إفعل كل شيء إلا الاختلاف معه في وجهة النظر أو الرأي ، كل ما يقوله صحيح أو أن هذا ما يعتقده ، عندما ينظر الإنسان إلى المرآة لا يرى عيوبه ،  وهذا ما يحدث مع ( أبو السُلم ) يقول جون آدم :

الكلام القاسي كالدواء !

مر ... ولكنه يشفيك .

سالم لا يعرف جون آدم وحتى لو عرفه لا أظن بأنه سيفهم ما يقوله ، ومن رواد الديوانية فلاح الخابري ، شخص قليل الكلام ومتفق مع أي شيء يقوله سالم ، وهذا ما يحبب سالم به ، مسعود الغراف ، شخص قليل الصبر ، عجل في كل الأمور ، يميل إلى العدائية . والبقية تأتى وتذهب كبريستيج اجتماعي لا أكثر ، دائماً ما تكون لقاءاتنا بعد صلاة العشاء وتمتد في بعض الأحيان حتى الهزيع الأول من الفجر ، الوقت الذي يسبق صلاة الأخيرة نقضيه بطرق عديدة  منها ، التسكع في الأسواق والبحث عن بنات الحلال أو البحث عن اماكن جديدة تبعدنا عن أعين الأخرين عندما نجد بنات الانحلال . عباءات سوداء تبرز اكثر مما تخفي  نقاب أو برقع أو خمار أجسام مكتنزة مؤخرات جميلة ، تصيب من ينظر إليها بالدوران ، ملابس تقليدية دخلت في دوامة الحداثة . وأظن اننا قبل الغزو لا نعرف هذه الأشياء ، جلبناها معنا من الخارج وأضفنا إليها بعض عوامل التعرية وأخذنا نتفنن في تصميمها وطريقة ارتدائها . مسعود يحب النقاب الذي ينحدر من أعلى الأنف حتى يظهر الوجنتين . وهو مستعد بأن يضحي بما تبقى من عمرة من أجل هذا الطريقة الجنسية في لبس النقاب . هو يظن بأن من يلبسن على هذه الطريقة دائماً ما يكن فارغات عاطفياً . دائما ما يمر بي مسعود ومعه بعض العينات من النوع المحبب إليه وبعد ان ينتهي منها يتصل بي ويقول لي : ما رأيك في البضاعة . ؟ بكل صراحة :  ملامحنا لا تحمل من الوسامة الشيء الكثر ، ولكن ما نملكه من عينات يدل على أننا نفيض من شدة الوسامة . هناك خطأ في الأمر ولا نعلم ما هو وهذا لا يهم فالمهم في الأمر أننا نستمتع كثيراً ! . الحفلات الصاخبة التي نقيمها دائماً ما تكون فردية شاب وفتاة يحتسون الخمر قليلاً يرقصون قليلاً ويمارسون الجنس طوال الليل . وهذه الحفلة اجمل بكثير من ( القعدات ) وهذه هي مفردة يستخدمها ابناء البلد لوصف الحفلات الجماعية الماجنة ، فالفقراء يقيمون قعدات والأغنياء كذلك ، تجد القعدات منتشرة هنا وخصوصاً في يوم الخميس . ومن طقوس هذه القعدات أن تدخل الفتيات بغطاء للوجه او نقاب في اغلب الأحيان كي تتأكد أنها لا تعرف أحد يكون من أقربائها ، وعندما تتأكد من عدم معرفتها لأحد ترمي كل شيء . والمصيبة أن الإسلاميين يطالبون بلبس النقاب ويقولون أنه هو اللباس الإسلامي  ! وأنا أحياناً أظن أن الإسلاميين يدعمون القعدات لمطالبتهم الدائمة بلبس النقاب ، والمصيبة أننا لم نسمع عن النقاب منذ ظهور الإسلام فالذي نعرفه هو الحجاب وأن هذا الاخير هو اللباس الإسلامي المعروف . النقاب هو لباس ابتدعه الاتراك ايام الدولة العثمانية وكان هذا اللباس هو اللباس المخصص لنساء السلطان العثماني حيث انه يملك أكثر من امرأة بين جارية وزوجة وكن يعرفن بطريقة لباسهم كي يعاملن باحترام . ونحن أخذنا هذا الباس وطورناه حسب أهوائنا ورغباتنا الكامنة ، وحديثي عن فتيات الحفلات الصاخبة ليس مقتصراً على مرتديات النقاب ولكن حتى المتبرجات واللاتي يلبسن الجينز وال تي شيرت عندما يردن الذهاب إلى حفلة ماجنة يلبس النقاب والسبب يعود إلى أننا مجتمع محافظ . وتختلف هذه الحفلات بين حفلة مزاج ، وحفلة مشروب ، وحفلة تنقيط هناك فتيات يذهبن إلى الحفلات كي يشربن الخمر وهناك فتيات يذهبن إلى الحفلات من أجل المال وهناك نساء يذهبن فقط لمجرد الترفيه عن أنفسهن . وأنا أتحدث عن فئة معينة تجدها في كل مجتمع ، والخطأ هنا دائما ما يولد في البيت ويتربى في مراحل الدراسة وينتهي في احدى الشقق المشبوهة . والمصيبة أن الدول المحافظة تتجه للانحراف كهدف اقتصادي عندما تفتقر لمقومات اقتصاد طبيعية او جغرافية تدعم مسيرتها الدولية ، وهذه النظرية الاقتصادية ولدت لدي الإنسان في المجتمعات المحافظة فكرة الانحراف بهدف اقتصادي . فأي إنسان وخصوصاً النساء في هذا المجتمع عندما تنضب لديهم مقومات الحياة الإنسانية سواءً كانت عمل حكومي أو عمل خاص تدر عليهم مبلغ من المال يجعلهم يعيشون حياة إنسانية كريمة يتجهون إلى الانحراف كهدف اقتصادي لا أكثر .

السبت، 8 أكتوبر 2016

ظل يكسره الضوء -٥

عدم الاستقرار هو الشيء الوحيد الذي نحمله معنا أين ما ذهبنا ، أستأجر أبي بيت مكون من غرفتين وملحقاتهما أصبح لدينا مكان نعيش به ، ولكن الخوف من عدم الاستقرار اصبح هاجساً مؤرقا لنا . الحياة تغيرت بالنسبة لأمي بعد أن وجدت مكان تختلي به مع أبي . أصبحت الحياة بالنسبة لامي مجرد ليل ، جميع الليالي أصبحت حمراء بالنسبة لأمي وأعتقد أن هذا السبب هو الوحيد الذي جعل أبي يبحث عن مكان مستقل لنا لنعيش به . كانت الحياة مغلفة بالعبث والملل ، أراد أبي لنا أن نقتل الانتظار  بالدراسة وألحقنا بمدارس حفر الباطن . كانت الدراسة هناك مختلفة جداً ، ويبدأ الاختلاف من الزي المدرسي ، كنا نذهب إلى المدرسة ونحن نرتدي الدشداشة والشماغ ، كأننا ذاهبين إلى إي مكان آخر ويزيد الاختلاف مع المواد التي ندرسها عوضاً عن المواد الأولية كالحساب ، اللغة العربية ، والعلوم ، والاجتماعيات . هناك مواد مستخرجة من مواد مثل الفقه ، التجويد ، القرآن الكريم ، الحديث والدين  ، كانت مادة اللغة الإنجليزية مادة هامشية على مستوى الدولة كمادة الرسم والرياضة البدنية  أما الموسيقى فهي مادة ملغية من المناهج التعليمية في مدينة حفر الباطن . في مثل هذه المجتمعات يندر وجود فنانين وموسيقيين ، فالموهبة أصبحت الآن وليدة الشارع . فكما قلت في السابق الرتابة تقتل الموهبة ، وعدم وعي البشر في مثل هذه المجتمعات يساعد على قتل روح الموهبة الموجودة في قلب الإنسان . إن الجماليات الموجودة في أعمال دالي و دافنشي ساعدت على بناء الإنسان والروح الموجودة في أعمال بتهوفن ومزارات وباخ أغلقت الهوة الموجودة بين الإنسان ونفسه ، والحياة الموجودة في اعمال رامبو ، و لامارتين  ، والمهاتا غاندي ،  أوجدت من الإنسان إنسان آخر ! الفن أصبح بالنسبة لنا مجرد كرة قدم وشعر حتى اكتظ الوطن العربي بهؤلاء الهواة ، كل من فشل في حياته اتجه إلى كرة القدم أو أتجه إلى الشعر . وكما قيل عن كرة القدم في هذا الوطن العربي( الاحتراف في الوطن العربي انحراف )  . نصف سنة دراسية قضيناها بالملل ، والتثاؤب ، والضجر ، والترقب . القادة يجتمعون وأنا أريد وطني ، يتحرك الجنود وأنا أريد وطني ، حاولوا أن تفهموا : إن الشعور بالفقد أشد من القتل ، عندما تمر من خلال نظرات الآخرين تظن انك فاقدُ لأحد أطرافك . فالشعور الذي ضاجعناه في الغربة لا يعرفه إلا اليتيم ، رغم الاحتواء الذي كنا نتدثر به ، أننا في وطننا الثاني ، أحترم كرمكم ولكنني أريد وطني فقط ! لتوتر على أشده جميع الجيوش التي ستشارك  على تحرير الوطن مستعد ، صواريخ سكود تضيء السماء صافرات الإنذار تولول والباتريوت تعترض السكود في السماء قليلا ما تصيب الهدف هذه السكود ، رغم ذلك لحذر يغلف المنطقة . 15 يناير كانت نهاية المهلة المحدد لإنسحاب الجيوش الصدامية من الوطن وهي المهلة التي حددها مجلس الامن لذلك . كنا ننتظر هذا اليوم بفارغ الصبر ، بدأت الغارات لجوية فجر 16 يناير أي بعد يوم واحد من إنتهاء لمهلة المحدد من قبل مجلس الأمن وأستمرت حتى مقترح 22 فبراير المقترح السوفيتي ، الذي وافق عليه العراقيين والذي يغضي بوقف إطلاق النار وانسحاب الغزاة بفترة أقصاها ثلاث أسابيع وأن يكون هذا القرار تحت إشراف مجلس الأمن . ولكن بوش لم يوافق على هذا القرار وأعطى المجرمون 24 ساعة لانسحاب جيوشهم من كامل الكويت ، وتعهد بأنه لن يهاجم الغزاة المنسحبين . 24 فبراير 1991 بدأت جيوش التحالف بالتوغل في الأراضي الكويتية المغتصبة ، بعد ثلاث أيام من هذا التوغل الجميل تمت السيطرة على كافة الأراضي الكويتية واستعادتها من بنادق المجرمين . دخلوا بأحذيتهم وخرجوا من دونها ، ليتكم جلستكم في بلادكم تخبزون الخبز وتهتمون بشئون بيوتكم عوضاً عن النساء ! ليتكم جلستم تبيعون السجائر على الطرقات ، ليتكم جلستكم تصفقون للعاهرات في المراقص . غرتكم قوتكم والسنوات الثمانية التي مددنا بها أمهاتكم بالحليب لترضع صغاركم ، الآن هؤلاء الصغار الذين أرضعناهم بالحليب المستورد هم من اغتصبنا ، عليكم اللعنة ! ثمان سنوات ونحن ندعم مؤخرتكم النتنة ، منذ عبد الكريم قاسم ومن قبله ومن بعده ونحن نتوجس منكم الشر ، لازلتم تدعون أننا المحافظة التاسعة عشر ، لازلتم تدعون أننا نسرقكم رغم المليارات التي تدينون لنا بها . يقول غاندي : الخيرات الموجودة تكفي حاجة الجميع ، لكنها لا تكفي طمع الجميع . اللعنة عليكم . إن بلد عظيم مثل العراق لا يحكمه إلا الكلاب وأولاد العاهرات ! لو كان لينين حي لبصق عليكم ، وعلى شيوعيتكم . خرجتم تقبلون أحذية الأمريكان ، وترفعون سراويلكم على بنادقكم ، قتلتم الشيعة في كربلاء ، قتلتم الأكراد في كردستان ،وأتيتم لقتلنا في الكويت ! بئس ما أتى بكم . للشهداء الذي غسلوا بدمائهم تراب الكويت هنيئاً لكم هذا النصر .   

 

 

أسوة ما في هذه الحياة أنها ذات اتجاه واحد . ! كنت أول من وضع رجله على أرض الوطن من أفراد عائلتي ، والسيارة تتحرك قفزة منها لأحقق هذا الأمر . كنت كأول رجل وضع رجله على أرض القمر ، أعتقد أن الشعور الذي بللني هو نفس الشعور الذي تبلل به ذلك الامريكي عندما وضع رجله على أرض القمر . أول ما كنت أفكر به أن أجول بجولة استطلاعية أتفقد بها منطقتي ، عن البيوت التي سرقت ، عن الفتيات اللاتي اغتصبن ، عن النساء الأرامل عن كل شيء عن عدد الشهداء من منطقتي عن الأسرى عن مخلفات المجرمين عن بنادقهم عن سراويلهم عن أحذيتهم كي أحرقها وأحرق ذكراهم على أرض وطني . أين أنت يا عليُ أتراك خرجت أم بقيت على هذا الطهر من العالم ، أبحث عنك بين الأزقة والأماكن المهجورة .  أين أنت الآن من هذا الجرح الغائر أتراك هجرت من طفولتك ، وطيشك ، أتراك لست أنت الآن ؟ دعكت أعقاب السجائر ومسحت على علب الدخان البالية أخرج يا هذا المارد الصغير . أخرج لك الأمان . اخرج لقد خرجت الأحذية من وطني ، ثمانية شهور وأنا أنتظر هذه اللحظة أخرج لقد تعبت من التعب . أخبرني أحد أخوته أنه استشهد وهو يسرق ذخيرة المجرمين لصالح المقاومة . وجدوا جثته والطلقة مخترقة صدره ، كان أخيه الكبير من أفراد المقاومة وهو من جند علي لصغر حجمه وخفته على سرقة المعلومات والأسلحة الخفيفة من المجرمين . لا أعلم هل أبكي أم أفرح ، هل أبكي على فقد الصغير ؟ أم أفرح على استشهاد هذا البطل ؟  هل أبكي لأنه أخذ صديقي الوحيد ، أم أفرح لأنه أعطاني هذا الوسام ؟ لماذا هذه الحياة ناقصة دائماً ؟ أخذت وطني وصديقي ، وأعادت لي وطني من دون صديقي ! يا رب إن قلبي أصغر من أن يحتمل هذا الفقد . يا رب إن قلبي صغير جداً على هذا الجرح . السكين أكبر من الضحية ! ساعدني يا رب .

 

:

 

يارب

لست بآدم

فعلمني نصف الأسماء !

 

لا أعلم من قائلها ولكنني محتاج لها بشدة ، محتاج لهذا الكم الهائل من الألم ، ولهذا الاختصار للذات ، ماذا فعلت في غيابي ، هل تذكرتني في لحظاتك الأخيرة ، أم أن الرصاصة لم تعطك القدر الكافي من الذكرى . رحلت وحيداََ وتركتني وحيد ، ليتني كنت معك لأتقاسم الرصاصة وإياك ، مثلما كنا نتقاسم السجائر وعلب السردين والبطاطس ، والبرد والعادة السرية . تركتني وحيداً في هذا المكان المليء بذكرياتك وطيشك . يا لهذه الحياة القاسية ، ليس هناك مجال للعودة إلى الوراء . اسمعوا إيه الناس : لا خوفً عليكم بعد اليوم اطمئنوا ، ناموا وملابسكم الداخلية في الخارج ، استيقظوا وأنتم مطمئنين على أصابعكم لقد مات عليُ ، لا تخف يا صلاح ! عانقني بطمأنينة لقد رحل السبب الذي ضربتك من أجله . يا تجار الغدر إن رصاصتكم التي أطلقتموها قتلت طفلين . !  يا أولاد الكلب إن رصاصتكم التي فجرتموها قتلتني ! مثل ما قلت سابقاً : أسوء ما في الحياة أنها ذات اتجاه واحد ، وأضف على ذلك أنه لا يوجد محطات توقف . الحياة أشبه بقطار آتي من دكار إلى بومباي ، فمن يريد الركوب يركب والقطار يسير ، ومن أراد النزول يفعلها والقطار يسير ، ففي مثل هذه المناطق ترى الركاب فوق القطار ، وأسفل القطار ، وعلى جنبي القطار ، والذين أخطئوا واستقر بهم الحال في داخل القطار يكادوا أن يخرجوا من النوافذ . عندما ترى مثل هذه المناظر تشعر بان الحياة فائضة . الحياة الآن أشبه بدلو امتلئ إلى آخره بالماء ، وربما يعود هذا الخطأ إلى تطور الطب ! فكما تعلمون بان وراء الأسماء الجميلة يختبأ القبح أحياناَ ! ففي السابق كانت الحمى أو الأنفلونزا تقتل الإنسان ، أما الآن حتى الإيدز لا يستطيع أن يقتل الإنسان ! وأظن بان ما يحدث من تطور في الطب يخل في التركيبة البشرية على سطح الأرض . سامحني يا عليُ  فالحياة رغماً عن أنفك الصغير سائرة . أصبحت الآن صديق البطل ، أخذت مني صديقي أعطيتني هذا الاسم ، كنت محتاجٌ إلى صديق وليس إلى اسم  .

 

 لم ترحل جيوش الغدر هكذا ، فعند رحيلهم أحرقوا الكثير من آبار النفط ، وهذا يدل على الحقد الإنساني العميق .فقد خلف المجرمون كارثة بيئية خطرة جداً ، وما فعلوه يثبت أنهم لا يستحقون الحياة . خلفوا كارثة قال عنها العلماء المتخصصون في حرائق الآبار أن السيطرة على مثل هذه الحرائق يحتاج على أقل تقدير ثلاث سنوات . إلا أن وزارة النفط الكويتية راهنت على فرص خفض هذه المدة ، وحققت الفوز العظيم ، ففي تاريخ 29/10/1991 تمت السيطرة على حقل الأحمدي بئر رقم 24 وكان أول الغيث .  بعد سبعة شهور أنجز الفريق الكويتي هذه المهمة مستعيناً بـ18 فريق إطفاء متخطياً جميع الدراسات والبحوث التي تقول ان مثل السيطرة على هذه الكوارث لا ينجز في أقل من ثلاث سنوات ، وها هو قد فعلها فريق الأبطال بسبعة شهور . منذ دخولنا الكويت والجو غائم ، كان الدخان يغطي الكويت ، تزداد نوبات الربو ، تنفق الطيور ، الأسماك تموت ، الحياة لم تكن صالحة للاستعمال . كنا نرى الشمس أحياناً وأحياناً كثيرة لا نراها ، بفضل الله والجهود التي بذلها الفريق الكويتي استطعنا أن ننعم برؤية الشمس في كل يوم ، وما خلفه الجيش العراقي الجبان من الدمار يجعلك تشعر بأن الإنسان كائن قبيح . بدأت رحلت الاعمار وعادت الكويت أجمل مما كانت عليه.

 

سامحني يا عليً إن كنت نسيتك مرات عدة مع مرور هذه السنوات ، فالحياة أصبحت أكثر تعقيداً ، ومع مشاكلها ينسى الإنسان نفسه أحياناً . كلما ضاقت بي السبل تذكرتك ، عند وفاة جدي تذكرتك ، عندما ضربني إخوة الفتات التي كنت أتودد لها تذكرت ، كنت ما أنفك اردد هذه الدارمية الموجعة كلما احتجت إليك :

جمل جابوك للساحة وناخوك

حبل حطوه بيدينك وناخوك

تريد اليوم تنخاني وأنا خوك

عضيدك يوم صقعات الأجناب .

أين أنت الآن يا على ُ ؟ محتاج لك أكثر من حاجتي لك أيام الطفولة . الحياة الآن أصبحت أكثر قسوة ، ذهبت أيام وطني ! الآن أصبح وطنهم ونحن الآن مجرد ضيوف فقط . كنت في أيام الغزو اصرخ وأنا في السعودية ( أريد وطني ) وأقصد بوطني هو دولة الكويت ، اكتشفت أنني في وطني طوال أيام الغزو .الآن أنا أتساءل لماذا ولدت هنا مادام وطني هناك ؟ قلت لك الحياة أصبحت أكثر تعقيداً ! تدور رحى المعركة في هذه الغرفة الصغيرة التي لا تتجاوز المترين طولياً والثلاث أمتار عرضاً بيني وبين نفسي . لا اعلم على من أضع اللوم  على القدر الذي ساقني لهذا الانفصام الوطني ، أم على والدي الذي أوهمني طوال عشرين سنة بأنني في وطني  ! كان في نهاية الشهر يذهب إلى البنك ويقبض الراتب كأي كويتي ، يركب السيارة مثل ما يركبون ، يأكل مثل ما يأكلون ، يذهب إلى الديوانية مثلما يذهبون ، وفي نهاية الأمر أكتشف بأنه سعودي مقيم في الكويت . المطر يشتد في الخارج والأرواح يقتلها الجفاف ! في السنة القادمة لا تعد يا سيدي المطر ، إن الإنسان الذي استخلفه الله على هذه الأرض نسي كل شيء واهتم بنفسه ، لسنا بحاجة إليك إن كنت لا تستطيع أن تغسل أرواحنا ! الأرواح متسخة جداً . أحاول أن أجد نفسي في أي شيء في ظل هذا المدى المادي حتى النخاع ، كنت في مراهقتي أقول بأن السبل إن انقطعت بي سأدخل السلك العسكري كأي كويتي يفشل في دراسته ! ولكن الرياح تكره السفن السلك العسكري لا يقبلنا ، وأي سلك حتى سلك الخياطة لا يعترف بنا انقطعت بنا السبل جميعها ، اصطدمنا بهذا الواقع المر ، اغلب اللوم يقع على أبي هو لم يخبرنا بان الحياة تتغير ، وان الفترة التي قبل فيها بالسلك العسكري ستختلف مع مرور الوقت ، جعلنا نبحر مع أحلام أصدقائنا ! تبخرت أحلامنا . وبدأت رحلت الضياع الجديد ، العالم يتحرك ونحن ننظر من النافذة ، تتغير الفصول ونحن ننظر من النافذة ، يكبر الصغار ونحن ننظر من النافذة ، يتزوج الصغار ونحن نلوح لهم من النافذة ! كل من أعرفهم دخلوا الجيش وفتحوا البيوت وأنجبوا الأطفال في هذه المدينة المنبوذة حتى من أهلها ، في مدينة الفشل الحلزوني ، هذه المدينة التي ينفى إليها المغضوب عليهم من أطباء ومهندسين وحتى عمال نظافة . الكل ينفر من هذه المدينة حتى أهلها ، مدينة المؤامرة مدينة العقد النفسية ، مدنية المليون شاعر ! مدينة تحيطها المعسكرات ، مدينة أغلب سكانها يعملون في الجيش . مدينة تروج للعمل في العسكرية حتى أن أطفال المدارس الابتدائية عندما يتحدثون عن أمنياتهم أول ما يذكر من أمنيات هو أن يكونوا في السلك العسكري ،أدمنوا رؤية اللباس العسكري ، و أظنهم أدمنوا رائحة البسطار عندما يبلله العرق . منذ نعومة أظافرنا ونحن نرى اللباس العسكري حتى أصبح هدف الحياة بالنسبة لنا .

 

 

 نحن مرضى نفسيين ! أغلبنا مصاب بمرض نفسي يطلق عليه اسم ( الشهوة الحيوانية ) وهذا المرض عبارة عن حالة نفسية تقف بين الإنسان وبين الطموح . أجري اختبار لفهم هذا المرض . وقد أجري هذا الاختبار على قط وضعوا له قطة لحم لذيذة خلف نافذة مغلقة القط يستطيع أن يرى قطعة اللحم ولكنه لا يستطيع الوصول إليها ، جلس ينظر إليها فترة طويلة لا هو الذي يستطيع أن يتجاهلها ، ولا هو الذي يستطيع أن يصل إليها . !  ونحن مثل هذا القط فنحن لا نستطيع أن ندخل الجيش ، ولا نستطيع أن نتجاهله . توقفت الحياة بالنسبة لنا ! بودي أن أغسل السيارات ، وأن ألمع الأحذية ، وأن أصنع الخبز ، ولكن المجتمع الذي نعيش به مجتمع يدفع مقابل كل شيء ، يدفع مقابل الجنس ، مقابل الأكل ، مقابل حمل أمتعته ، مقابل تربية أطفاله ، مقابل ضياع أبناءه ، وأنا تعلمت أن أدفع معهم ! الآن أن أدفع ثمن الحياة التي قضيتا هنا . انتهت خدمة أبي في السلك العسكري ، وانتهت الحياة بالنسبة لنا ،. بدأت رحلت ( يجب أن تدفع الثمن ) من رزقهم الله بالشهادة أثناء الغزو تمت رعاية أبنائهم وأصبحوا من أبناء هذا البلد ، ومن لم يوفقه الله برصاصة أثناء الغزو ، قالوا له : شكرا لخدماتك واذهب إلى وطنك ! . لو كنت أعرف وطناً غير هذا لما جلست هنا لحظة واحدة . أين أنت يا عليً قلت لك : أحتاج إليك كثيراً ألا تسمع ، محتاج لك جداً يا عليً . أعتب عليك وأنت صديقي الوحيد . لماذا لم تقرض أبي رصاصة عندما دخل الغزاة ! الآن أبي غير صالح للعمل . وأنا غير صالح للحياة ، هل هذا ما كنت تريده يا عليً . كل شيء أخذ طابع المادة حتى الشهادة أصبحت ذات قيمة مادية . لو أن الحياة تعود للشهداء الذي سقطوا فداء هذه الأرض الغالية وقالوا لهم : إن استشهدتم سنرعى أبنائكم ونعطيهم كذا وكذا ونجعلهم يعيشون أفضل حياة . لقالوا لكم : خذوا أموالكم واتركوا أبنائي ، فأنا لم أنجبهم كي يرعاهم غيري ، ولم أستشهد من اجل أبنائي ، فعندما احتضنت الرصاصة بصدري لم أفكر بأبنائي كنت أفكر بشرف هذا الوطن الغالي ، كنت أفكر بتراب هذا الأرض التي تستحق أن أسقيها بدمي . هذا قدري وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء . الحياة تحولت في نظر الآخرين إلى مادة ! وحتى الاستشهاد يعتبر مادة ، وأظن بأن هناك شيء اسمه استشهاد مادي ، فأي شخص يستطيع أن يقوم بحركة بهلوانية أثناء أداء الواجب وهو مرتدي الزي العسكري ويصبح من الشهداء ويتم رعاية أبنائه أفضل رعاية ، ويعتبر من شهداء الواجب . الاستشهاد شرف وليس مادة .

 

الكثيرين رحلوا وصرعهم الشوق إلى الوطن ، كم من تابوت تحتاج يا وطني حتى تفكر بالإحساس بنا ، يا وطني رحل عليً ولم يتبقى لي سواك ، إنهم يقاتلونني بك ! أقول لهم أريد وطني ، ويظنون انها نزوة ما تلبث حتى تتبخر ، يعتقدون أنني استيقظت في بلاد بعيدة وقلت : سأذهب إلى هذا الوطن مثلما يستيقظ أي شخص ويقول سأسهر في هذا المرقص ، يعتقدون بأنك أحد الاختيارات العديدة التي خيروني بها . يعتقدون بأنك مقهى أستطيع أن أغيرك متى شئت  يقول مظفر النواب :

أنبيك عليًاً

إن أنت أتيت الآن :

لحاربك الداعون إليك

وأسوك شيوعية .

أستطيع أن أحزم حقائبي ، وأن أقبل كل من اعرفهم ومن لا اعرفهم ، وأقطع تذكرة على أي طائرة تأخذني من هنا وأنا انظر إلى مؤخرة المضيفات المكتنزة إلى أي مكان خارج هذا المكان . أستطيع أن ألوح لأي سيارة متجهة إلى الحدود وأقول لسائقها : خذني معك . من الممكن أن أذهب إلى أي مكان أجمل من هذا المكان اقتصاديا ، واجتماعياً ، وحتى إنتمائياً ، ربما أستطيع أن أجد فرصة أفضل للحياة في أي دولة خليجية منفتحة على مصراعيها . أستطيع أن أصافح أي كلب ألتقي به وأن أقول له : تشرفت بمعرفتك أنا راحلٌ غداً . أستطيع أن أرحل إلى أي بلد لا توجد به عقد اجتماعية ، ولا عقد سياسية ، ولا تمييز جنسي ، ولا تمييز طبقي ، ولا تمييز جغرافي ، ولا حتى مشاكل تبول لا إرادي . ومن الممكن ان لا تكون المدينة الفاضلة ، ولكن ربما تكون فرص الحياة به أفضل بنسبة قليلة من حياتي هنا . المشكلة ليست بك يا وطني ، المشكلة في هذا القلب القذر الذي احمله بين أضلعي ، هو لا يريد أن يتوبك ، أنت أجمل غلطة وقعت فيها ، أطهر ذنب أنا أدفع ثمنه ، مع أني لم أرتكبه ، أية الصنم الواقف من الدهر إلى الآن . يا قطعة طين تشكلت على حسب مصالح الآخرين المادية ، كنت أكبر فصغرت ، كنت أصغر فكبرت ، حدودك تقع على حسب مصالح المستثمرين المادية ، أنقذني منك . من المحتمل أن تقتلك السكين التي تصنع بها طعامك . وطني أنا لا أصارع من أجلك لأسباب مادية ولا من أجل أحد . قل لهم أن يرحلوا جميعا ويتركوني وحيداً بك ، ولينظروا أن تبعتهم ، أو لوّحة لهم . كل ما أريده يا وطني هو ان أعيش على ترابك وأنا أحتفظ بكرامتي الإنسانية.              

 

الخميس، 6 أكتوبر 2016

رواية- ظل يكسره الضوء ٤

إن المجتمع الذي يمارس إيمانه كـ بريستيج اجتماعي هو مجتمع لا يثق بنفسه ، الصلاة أصبحت بريستيج ، الزكاة أصبحت كذلك ، وأمور كثيرة من هذا النوع أصبحت إكسسوارات اجتماعية . العالم يتقدم ونحن نقف في أماكننا  نقرأ التاريخ ، تاريخ الفتوحات الإسلامية ، وتاريخ الدولة الأموية ، والدولة الفاطمية ، ومجالس الغلمان ومجالس الخمر ، ومجالس الجواري ، والمصيبة الكبرى اننا لازلنا نفكر في سبب سقوط الأندلس . الاندلس لم تسقط أنما نحن الساقطون ! هذا من حظ أهل أسبانيا فلو أننا لازلنا نسيطر عليها لحولناها إلى جزائر أخرى أو ليبيا أخرى . لازلنا نقرأ البداية والنهاية لابن كثير وطوق الحمامة للجوزي وقصائد أبو نواس وملاحم الحب العذري . إنها مصيبة ان نرى العالم يتقدم ونحن ننظر إلى أقدامنا ! إلى الآن لم تجف دموعنا على مكتبة بغداد التي دمرها المغول ، لازلنا نشكك في تاريخ الظاهر بيبرس وحكم المماليك للعرب ونصرح أنها خيانة سببها النساء وغلطة إسمها شجرة الدر . اللعنة على التاريخ الذي يقف عقبة بين الإنسان والتقدم ، العالم يتقدم وعلمائنا يجتمعون كي يتفقوا على أن الدخان يبطل الوضوء أم لا .  يجب أن نحترم العقل !

 

 

بعد لقائي الأول مع ( عليٌ ) كان يجب أن أوثق لقائنا التالي بمشكلة كي تتوطد العلاقة بيننا . في اليوم التالي أمسكت بصلاح ، وهذا المسكين عندما رآني كان يظن أنني أريد أن أعانقه ، أمسكت به ووضعت رجلي خلفه وطرحته أرضا ً وانهلت عليه بلكمات اعتقد انه لن يأكل مثلها بعد اليوم وأنه لم يأكل مثلها قبل اليوم ، كنت أعلم ان ( عليٌ ) سيمر من هذا الطريق ، وحياة صلاح تتوقف على مرور ( عليٌ )  بعد أقل من دقيقة مر من قربنا وصدم مما رآه . كاد صلاح أن يموت بين يدي وعلي ٌ يترجاني أن اتركه . دعني ألقنه درس لن ينساه اتركني لن ادعه حتى يموت هذا ما كنت أصرخ به وعليُ يكاد يقبل رجلي كي اتركه . اعتقد انه الآن سيتمنى أن أكون من أصدقائه . وكان ما تمنيت أن يكون ، الآن عليٌ لا يستطيع أن يجعل اليوم يمر دون أن يراني . توطدت علاقتي مع هذا المجرم الصغير واكتشفت عالم الضياع وعالم النوم خارج البيت ، اكتشفت عالم العادة السرية معه مارسنا العادة السرية معاً تخيلنا أننا نضاجع نساء شقراوات ، دخلت مع عليُ أول أيام المراهقة . الحياة جميلة هكذا ، لا أشعر بشيء  أحس بأنني مخدر . إلى متى ستظل هذه الحياة هكذا ؟ أشعل شمعة أفضل من أن تلعن الظلام . بالرغم من المدى الإصلاحي الذي يتمركز في لب هذه المقولة إلا انني لا أتفق معها . فأنت عندما تلعن الظلام أفضل من ان تلعن نفسك ! أتممت العاشر من عمري بتاريخ 17 / 7 /1990 أي قبل الغزو العراقي لدولة الكويت بخمسة عشر يوماً ، الساعة السادسة صباحاً تطرق علينا جارتنا أم سالم الباب وهي تصرخ كنا نعتقد أن أبو سالم عاد لضربها ، للأمانة لم نكن نعلم عن المصيبة التي حصلت . أبي كان في عمله ، امي المسكينة وحيدة في هذه المصيبة كنت أقف بقربها عندما ألقت أم سالم على مسامعها هذا الخبر ، كنت أقف مع اخوتي بقربها عندما سمعت الخبر . لم تكن هناك ردة فعل هستيرية  ، أول ما فعلت هو أن نظرت إلينا نظرة جامدة وشفافة جداَ ترى ما خلفها ولكنك لا تستطيع أن تمر من خلالها ! نظره بها من سوء الحظ ما يجعلك تستثمر الوقت المتبقي لك في حفر قبرك ، تخيل انك تريد آن تقطع الصحراء على فرس ومعك أمتعتك ، أن مشيت في الطريق الصحيح ستصل بعد تسعة أيام ، وإن ظللت الطريق ستصل بعد نصف شهر . وأنت في منتصف الطريق تأتى عاصفة رملية شديدة تجعلك تضل الطريق ، وتكمل مسيرتك وأثناء المسير تنكسر رجل الفرس ، وتأخذ أمتعتك وتكمل الرحلة ماشياً على الأقدام ، وبعد مسيرة يوم تكتشف أنك نسيت الماء والطعام عند فرسك المكسور . إن عدت هلكت قبل أن تصل ، وإن أكملت أنت هالك لا محال . ماذا ستفعل في مثل هذا الموقف ؟ كان اليأس المتسربل في عيني يختصر هذه المأساة . كان بودي أن أقول لها ماذا ستفعلين الآن يا سيدة ( مطبخ ) ؟ هل ستقشرين البصل منتظرة أبي ، أم انك ستلتحقين بالمقاومة ! أم سالم أخبرت أبو سالم بان جارة ليس موجود وأننا نحتاج إلى المساعدة ، تكرم أبو سالم على إيصالنا إلى بيت خالتي ، ولكننا لم نجدها في البيت ، وطلبت منه أمي أن يوصلنا إلى بيت عمي . والحمد لله أننا وجدناهم في البيت  شكرته أمي كثيراً وأنزلنا في بيت عمي . أمي لم تأخذ معها من بيتنا سوى الأوراق الرسمية وذهبها ، كانت تضن أمي أن العراق غزا الكويت بسبب ذهبها وأرادت أن تردهم خائبين . جلسنا في بيت عمي يومين ولم يرد خبر عن أبي ، عمي لم يكن يريد الخروج كان يقول : أن الغزو لن يطول اكثر من أسابيع . لهذا أمي طلبت منه أن يوصلنا إلى بيت خالتي نوره ، وعند وصولنا لهم كانوا يتجهزون للرحيل وبسرعة توزعنا أنا واخوتي وأمي في السيارات التي كانت ممتلئة للآخر . لم اكن اعي ما يحدث رغم نشرات لأخبار التي نسمعها في بيت عمي ورغم الدبابات والطائرات الكثيرة لم اكن على وعي تام بما هو حاصل خرجنا من الكويت في يوم الأحد وبالتحديد في صباح يوم الأحد ، كانت الشوارع ملئا بالبشر . كنا في طريقنا إلى السعودية منفذ الرقعي كان الطريق ملئ بالدبابات والجنود العرقيين ، لم تصادفنا مشاكل في الطريق إلى ان وصلنا إلى منفذ الرقعي ، كان هناك بحر من البشر يريدون الهرب . كانت طريقة الخروج عشوائية وسريعة بعد أن دخلنا إلى السعودية توجهنا إلى مدينة حفر الباطن ولجأنا إلى المدارس التي فتحت كي نقيم فيها ، إنها مصيبة كنت اهرب من المدرسة والآن أنا أسكن في مدرسة . كيف سأحتمل هذا الأمر ؟

 

كان الشعب السعودي يوزع الأكل في المدارس وفي المساجد وفي الشوارع ، كنت أظن أننا هربنا من الجوع  بسبب هذا الكم الهائل من الأكل ! كان لنا أقرباء في مدينة الحفر ولكن أمي لم تشأ أن تترك أختها قبل وصول أبي  الجميع مجتمعون . في الأكل مجتمعون ، في اللعب مجتمعون ، في النوم مجتمعون في كل شيء هم مجتمعين . المأساة زادت من الترابط الوطني . كنا نتسكع في المدرسة بين الفصول ، الحياة كانت مرتجلة في ذلك الوقت ، كنا نحتاج للقليل من الوقت كي نرتب أنفسنا . في الهزيع الأول من الليل يرتفع الدعاء ، وبعد منتصف الليل يرتفع الشخير !

 

حفر الباطن مدينة القطب الواحد مدينة أضواء الشوارع الخاوية ، مدينة تقع في منخفض المدى الواقع بين الإنسان ومسقط الرأس تقع في عمق الشعور بالغربة  ، مدينة بدائية سقطت سهوا بخطأ جغرافي . مدينة أغلب شوارعها رملية مليئة بالغبار ، مجتمع متحفظ إلى أقصى الحدود ، وجه المرأة عورة ، صوت المرأة عورة ، شكل المرأة عورة ، تاء التأنيث عور ، كان وأخواتها عورة ، كل شيء له صلة بالمرأة عورة . المرأة في حفر الباطن تشبه الشجرة المحرمة التي أخرجت والدنا آدم عليه السلام من الجنة . مجتمع موغل في التفرقة الجنسية المرأة تولد في البيت وتموت في البيت ، مجتمع يحتسي الشاي بشكل ملفت للنظر ،الصغار من الأولاد يرتدون الشماغ والدشداشة ، والصغار من البنات يرتدن العباءة وغطاء الوجه . مجتمع لأول مرة في حياته يرى امرأة شقراء في الشارع ، وكان هذا عند دخول الجيش الأمريكي إلى السعودية بصدد تحرير الكويت من الغزو العراقي الجائر . تسبب دخول الجيش الأمريكي في حفر الباطن إلى زعزعة التركيبة الاجتماعية ، مما جعل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستنفر بكامل وجدانها لمحاربة هذا السفور الدخيل على المجتمع . كان الجيش الأمريكي يوزع على البشر أفكاره ومعتقداته ومؤنه ، الكيت كات والوجبات الجاهزة من لحوم الخنازير والخمر وأشياء كثيرة من حضارته ، ومن الأمور المضحكة أن أحد أفراد الجيش الأمريكي أعطى أحد أبناء الشعب السعودي زجاجتي خمر . وأراد الأخير الاستفادة من هذه الأشياء مع جهله بماهيتها فذهب الأخير إلى السوق لبيعها على أنها ( شامبو ) للاستحمام ! فتم القبض عليه من قبل الهيئة بتهمة الاتجار بمواد مسكرة . الحياة أصبحت عبارة عن اصطدام بين المجتمعات وبين الأفكار وبين الكثير من الأشياء البسيطة ، كانت الحياة تقف على الهاوية لا يفصل بينها وبين الوقوع سوى خط هزيل اسمه الأمل . بعد شهر ونصف من الغزو استطاع أبي الهرب من بنادق الغزاة ، كانت رحلت البحث عنا والبحث عن طريق للخروج هي الشغل الشاغل لأبي ، بحث عنا لدي كل من يتوقع ان نلجأ إليهم ، كان الاحتمال الأخير لأبي هو أننا خرجنا إلى السعودية . الطرق مغلقة الكثير من العائلات غضت نحبها في الصحراء وهي تبحث عن طريق للخروج ، كان أبي يتحدث عن رائجة الموت المنتشرة هناك ، عن السيارات التي وجدها في طريق الهرب وهي ممتلئة بالبشر الموتى . بسبب ندرة البنزين أبي خرج من الموت ماشيا على الأقدام . كان أبي يعرف الطريق جيداً ، كان يختبأ في النهار ويتحرك في الليل ، لم يكن الطريق طويلاً ولكن الخوف أطال المسافة الماء والخبز كانا كل ما يملك أبي لهذه الرحلة . بعد ليلتين ونص الليلة وصل أبي إلى الحدود وسلم نفسه إلى أقرب دورية حدود مرت به . في اليوم الرابع من هرب أبي رأيناه ، كنت أول من رآه كنت أتسابق مع دموعي عندما رأيته . ماذا فعلت بك الحياة ؟ إلى هذه الدرجة هي متوحشة . كان أبي عبارة عن شبح لم يبقى منه سوى العظم مع بعض الجلد . لم يكن أحد يشعر بالسعادة مثل التي كانت تشعر بها أمي ، كانت تبكي وتضحك كالمجنونة اختلطت عليها المشاعر في هذا الوضع المؤلم ، كانت أمي منتظرة خبر استشهاد أو أسر أبي مثل الأخبار التي ترد من هناك . كان العشاء الأول الذي تأكله أمي وهي مطمئنة ، اعتقد أن أمي ستنام وهي أسعد امرأة في هذا الحزن . في اليوم التالي من عودة أبي أتى الكثير من المعارف للسلام عليه والسؤال عن أشخاص انقطعت أخبارهم هناك حيث الموت المنبعث من كل مكان ، كنت استرق السمع لأبي عندما يتحدث مع الآخرين عن مراكز التعذيب نقاط السيطرة وبنادق الغزاة وغلاء السجائر  عن الظلم الوقع هناك عن الموت المستورد من بغداد ، عن صرخات الألم عن الجوع عن الخوف عن كل شيء له صلة بالشر . هل امتلأت بغداد بالموت حتى تصدروه إلى دول الجوار ؟ هل ضاقت بكم كربلاء ونينواى والبصرة حتى تأتون حمليه على فوهات بنادقكم ؟ هل ضقت بكم بغداد والناصرية والرمادي حتى تحملوه إلينا مع دباباتكم ؟ هل مللتم قتل العراقيين ؟ هل مللتم قتل أنفسكم حتى تأتون لقتلنا . أمي أرادت أن تستريح بعد عودت أبي من الموت ، ما تحملته أمي في الأيام السابقة يعادل كل لحظة سعادة عاشتها في ما سبق من عمرها . كان الشيب هو أهم درس آخذته أمي من الغزو . الحياة مليئة بالألم ولهذا يجب على الإنسان أن يستغل إي لحظة سعادة تمر به . عندما رحل جلجامش باحثاً عن الحياة الأبدية مر على كاهنة أخبرته أن الحياة الأبدية شيء غير موجود .  طلبت منه أن يكف البحث عن هذا الوهم : عد يا جلجامش ، فالذي خلق الحياة لم يشأ أن يجعله أبدية ! عد إلى أبنائك وزوجك ولا تجعل الموت يأتيك وأنت حزين ، ابتسم وأنت تقبل زوجتك ، اضحك وأنت تحتضن أولادك . إن الحياة لا تستحق أن نعيشها ونحن نشعر بالحزن .

 


الأربعاء، 5 أكتوبر 2016

ظل يكسره الضوء -٣

والشرر يتطاير من عينية ، وطبعا لا نستطيع ان نقف ونقول له تشرفنا بمعرفتك نحن جيرانك من الشارع الثاني أنا يوسف وهذا صديقي خالد  هذا مستحيل فلو امسكنا هذا المتحجر لجعلني يوسف إلا نصف وجعل خالد يسير على مؤخرته . كان الهرب أفضل وسيله لنا . بعد نصف ساعة كانت الشرطة تقف امام منزلنا إنها مصيبة هل رأفت الهجان يعيش في حارتنا إذن كيف عرفوا بهذه المدة البسيطة منزلنا ، اللعنة على الجواسيس ، فاليسقط الخونة لا نامت اعين الجبناء . صديقي خالد كان ينتظرني في دورية الشرطة  قلت له : أوقعت بي أيه القذر ؟ اخبرني انهم أجبروه على الإعتراف . إقتادونا إلى مخفر الشرطة وحولونا إلى مباحث المخفر . من أول صفعة انالها من يد احد أفراد المباحث احسست بلذة تسري في عروقي ، انا مجرم ، أنا مطلوب للعدالة ، فالتسقط المنطقة . أحذروا يا أهالي المنطقة أغلقوا الأوبواب عدوا أصابعكم قبل النوم وبعد النوم ، لا تناموا وملابسكم الداخلية معلقة بالخارج . صفعة ثانية من رجل المباحث وأحسست بأن دموعي تخرج  من أذني ، السيارة لم تحترق ورجل المباحث لا تهمة السيارة يريد أن يعرف من هم اللصوص في حارتنا وماذا سرقت أنا ، ويريد مني أن اعمل مخبر لأشكاله . لم أتعدى الثامن من عمري ويريدون مني أن أعمل مخبر ! اعتقد بأنهم سيطلبون مني أن أكون قاتل مأجور عندما أصل إلى العشرين من العمر . لا أعلم ماذا حدث ولكنني خرجت وصديقي خالد بعد ساعتين من التعذيب والترهيب  . من هنا راودتني فكرة ترك المدرسة ، أعتقد أنني أردت أن أتفرغ للإجرام ! تركت أصدقائي بعد مغادرتي المخفر ، كان هناك طريق ينتظر مني أن أسلكه . كل من يريد أن يدخل عالم الإجرام يمر عبر ( عليً ) وقريباً جداً سألتقي به ، من الصعب العيش في هذه الحياة وأصدقائك مجرد أبطال مسلسلات كرتونية يعيشون في عالم الخيال أغلبهم لازال يتبول في فراشه يجب أن يتغير هذا العالم يجب أن نعيش العالم الحقيقي بجميع قذارته وقسوته ، إن البقاء مع عبقرينو ودينار وإشكالهم هو أن تستيقظ وتجد نفسك وحيداً . ألا يكفي بأن يموت الإنسان ويدخل القبر وحيداً وتريدون منه أن يعيش وحيداً مع هؤلاء الظل انهم ما أن تغيب الشمس حتى يختفون . أريد أن اشعر بوحشة الليل وظلمته وخوفه أريد أن أمر عبر علي هذا المتوحش الغجري هذا الذي أقسم على ان يعيش حياته بخفة يد ووقاحة . كنت اعتقد ان عبدالله هو المجرم الوحيد الذي سأصاحبه ولكنني مخطأ ، أيام قليلة وسأرافق من يسبقه بعقدين من حياة الإجرام والتسكع والنوم فوق الرصيف والسرقة ، كان علي بالنسبة لنا كالكابوس ما أن يمر أسمه حتى ترتعد فرائصنا من الخوف وما عشته في المخفر ألقى الحاجز الذي بيني وبين أسمه وجعلني أتشوق لمعرفته والدخول إلى عالمة ، اعرف أين يجلس سأذهب إليه في صباح اليوم التالي . عندما استيقظت من النوم ارتديت ملابسي وخرجت من نافذة الحمام مع ان الباب لم يكن مغفلاً ! من العار أن أقابل علي وانا أخرج مثل ما تخرج الفتيات الصغار من بيوتهن ، أخرجت سجائري من المخبأ السري وذهبت إليه . كلف البيوت من الجهة الغربية منطقة صحراوية لم تستغل إلى الآن نطلق عليها أسم البر وعلي موجود في هذا المكان أشعلت سيجارة وانطلقت إليه ، أشتم رائحته أعرف بأنه قريب مني ، أنه هناك يرتدي  الفروة كأنه آخر ما تبقى من الزنوج الحمر . ألقيت عليه التحية وما أن رأى السيجارة في فمي حتى كان رد أحسن من تحيتي كأنني أتحدث مع إمام المسجد ، حاولت أن أبين له بأنني مارٌ من هنا فقط وسألته مع أنني آخر العنقود عن أخ أصغر مني هل رآه . طلب مني الجلوس وأخبرني انه لم يرى أحد منذ الفجر ، جلست وقدمت له سيجارة قال لي بأنه لا يدخن هذا النوع من السجائر ولكنه سيدخنها من أجلي ، هو لا يريد أن يخسرني من أجل سيجارة  . تحدثنا كثيراً حتى آخر سيجارة في علبتي . أخبرته عن جرائمي وعن محاولتي لحرق السيارة ، كنت أكذب فقط أردت أن أبين له أنني خلقت مجرماً قلت له بأنني حاولت أن أحرق السيارة لمجرد أن أبن صاحبها نظر إلي باحتقار فقال: ترى ما كنت ستفعل لو انه ضربك ؟ أخبرته بأنني لا أستطيع أن أتصور ما كان سيحدث لو انه ضربني . بعد هذه الجلسة أصبحت اعز أصدقاء عليُ . إن نجاحي باكتساب الصديق هو بقدر سقوطي في اختيار الصديق ، أعتقد أن هذه المعادلة صحيحة في النسبة والتناسب فالخسارة تشوه النجاح هكذا هي الحياة يجب أن تكون ناقصة دائماً . تركته على موعد لقائه في الغد .

 

لكل مكان سيكولوجية معينة للضياع في منطقة الجهراء للضياع أشكال عدة ، بالمناسبة أنا لم أخبركم أنني أسكن في مدينة الجهراء هذه المدينة التراثية ، الموغلة بالقدم منذ معركة ذات السلاسل إلى معركة القصر الأحمر ، رغم أنها خارج السور إلا انها سبب رئيسي في بقاء السور ، مع أنني لا اعلم ما هو السور حتى هذه الساعة ،  الجهراء هذه المدينة الممزوجة بالحلم وحليب الأمهات ونكهة البن الشمالي . هذه الموغلة برائحة البارود ولون العبائه وسمفونة الحناء . بشوارعها وأبنائها ، هذه المدينة المتشحة بالعفة ، كلما زاد عدد السنون التي تقضيها في هذه المدينة ، كلما زادت فرص خروجك معقداً منها ! هذه الأنثى البتول ، التي ما أن تبتسم حتى يراودها الحزن عن نفسها ، هذه المدينة الصامتة التي لو تحدثت لتقاطر دم الفٌرس من مخارج حروفها وخالد أبن الوليد يصرخ برجاله : إلى الأمام يا رجال إلى الأمام  . ذات السلاسل التي وقعت على مشارف مدينة الجهراء والتي كانت بين الفرس والمسلمين وكان النصر حليف المسلمين . كانت الجهراء شاهدة على هذه الواقعة ، وعلى الكثير من دموع الأطفال ونحيب النساء .

 

الرتابة تقتل الموهبة ! كل يوم خميس يأخذنا والدي إلى بيت جدي ، نتناول طعام العشاء ونعود للبيت تتذمر والدتي من الطعام في بيت جدي ، كأنها لا تعرف شيء غير الطعام يال سذاجة الأمهات ، أعطوني سبب واحد يجعل أبي يتمسك بها أعطيكم حياتي ! لا توجد في والدتي مميزات ، وحتى لو أنها كانت جميلة في السابق ، فلقد أكل الدهر عليها وشرب في الوقت الحالي لا اعلم لماذا أبي يتمسك بها ، تغضب كثيراً وتذهب إلى بيت أهلها ، ولكن أبي يعود بها في اليوم التالي . اعتقد أن هناك حلين لا ثالث لهما اما ان يكون أبي قليل ذوق أو أن أمي تتحول إلى سلمى حايك بعد مغيب الشمس . أنا أحب أمي وأقسم لكم على هذا ، ولكن متى سنتحدث بمنتهى الصراحة ، بالنسبة لي لا أريد أن أموت وأنا احمل شيء في قلبي ، أريد أن أتحدث بكل صراحة . الحياة مؤلمة والذي يجعله أكثر إيلاماً هو ان نموت وفي قلوبنا أشياء عجزنا عن البوح به . أبي شخص أقل من عادي ، يذهب إلى العمل ويعود ، ينام حتى السادسة مساءً ثم يعود يذهب إلى الديوانية ويعود ثم ينام وهكذا ، أنا متأكد أن هؤلاء الأشخاص هم سبب تأخرنا عن الغرب . وبما أنني وعدتكم بالصراحة سأتحدث ، أنا مصاب بعقدة صغيرة تسمى الخجل رغم وقاحتي إلا إنني مصاب بهذه العقدة وأبي هو السبب الرئيسي لمصابي هذا . ومصيبة هذا الرجل انه لا يفكر بوالدتي إلا عندما يرانا ، وأنا لا اعلم هل ملامحنا تحرضه على الجنس ، ولكنه لا يصرح رسمياً بأنه يريد ان يضاجعها أمامنا ، هو يلمح لها بقوله اذهبي إلى الغرفة ! وكي أكون منصفاً أمي أيضا ساعدت على ترسبات هذه العقدة . فعندما يقول لها والدي أذهبي إلى الغرفة . تقول له : ماذا تريد ؟ كان بودي أن اصرخ بوجهها وأقول : أذهبي رأفةً بنا نحن الأطفال إن مثل هذه الأمور يجب أن لا تحدث أمام المجتمع الدولي ، اذهبي إلى الغرفة فأبي يريد أن يصحح لك الواجب فقط .

الثلاثاء، 4 أكتوبر 2016

ظل يكسره الضوء -٢

، هذا غباء الأستاذ مدحت ونلقبه بمدحت ( مهية ) والمهية هي الراتب الذي بقبضة العامل آخر الشهر ، قصير القامة أصلع من الأعلى يأخذ الشعر الذي فوق أذنه اليمنى ويرميه إلى الجهة اليسرى عندما ترى منظره للوهلة الأولى تعتقد أنه سقط سهوا إلى الحياة ، متوسط البدانة قميصه الزهري والبنطال الزيتي اعتقد انه ورثهم عن أبيه ولا يريد التفريط بهم فأنا منذ ان رأيته وهو بهذا الزي أعتقد انه الزي الموحد للغباء . هناك ملاحظة بسيطة أتمنى أن اذكرها نحن في المرحلة الابتدائية مع الأسف أقولها وقلبي يتقطع من الحزن نعم نحن في المرحلة الابتدائية والذي يدرسنا مجرد حانوتي يحمل شهادة . اتقي الله يا وزارة العلم فنحن في المرحلة الابتدائية هل تريدين منا ان نتخرج جزارين  . أخبرني احد أصدقائي أن والده يقول في اليابان المدرس الذي يدرس تلاميذ الابتدائية شهادته بروفيسور، ونحن هنا دبلوم صنايع أنها مصيبة فإن ضاع الجيل هذا سيكون هناك فراغ فكري بين الأجيال . ترى كم جيل تحتاجون كي تكتشفون أخطائكم ، قبل عودتي من المدرسة ادفن سجائري في الساحة الترابية المقابلة لمنزلنا ، أمي لا تعرف رائحة الدخان فرائحة الطبخ أحدثت ثقب حلزوني في عقلها لهذا لا أهتم بها عند دخولي إلى المنزل . في عطلة نهاية الأسبوع أهرب من نافذة الحمام عندما أجد الأبواب مغلقة ، ومنذ ذلك الحين وأنا أعرف أن هناك مكان للخروج دائما ، الإنسان منذ نعومة أظافره يكتسب المعرفة ويتعلم وربما قابليته لاكتساب الأشياء السيئة أكبر من قابليته لاكتساب الأشياء الجميلة وهذا ليس خطأ سيكولوجي في تركيبة الإنسان إنما هو إرث تحمله الأجيال للأجيال الأخرى وعلى سبيل المثال عندما تريد أن تبني تحتاج إلى مهندس وأيضا إلى عامل ولكنك عندما تريد أن تهدم فأنت لا تحتاج إلا إلى عامل وينتهي العمل في غضون يوم أو يومين ، لهذا أعتقد أن الطريق الصحيح عادة ما يكون طويل وكي أكون واضحاً معكم فلإنسان يستطيع أن يقتل ولكنه لا يستطيع أن يحيي ! ستقول لي أنه يستطيع أن يحيي وتضرب لي مثلاً ، كي اختصر على كيلينا الوقت أقول لك لو أن الإنسان يستطيع أن يحيي لأقتنع سيدنا إبراهيم عندما احضر له النمرود رجلين من السجن وقتل أحدهم وأطلق الآخر كدليل على انه يستطيع أن يقتل ويستطيع أن يحيي،  وعدم اقتناع سيدنا إبراهيم دليل كبير على أن الإنسان يقتل ولا يحيي وبما أن القتل شيء سيئ فإن الإنسان ذو ميول لاكتساب العادات السيئة أسرع من العادات الجميلة . والدتي تغلق الأبواب قبل النوم لهذا أنا أتسلل من نافذة الحمام ، نجتمع في الساحة الترابية نشعل النار نحاول أن نضع حد لتسلل البرد إلى مفاصلنا ، مع أن الفراش كان دافئ جداً إلا أننا فضلنا أن نمارس الشعوذة على رائحة الدخان في هذا الصباح الشتائي الجميل . خالد أمه مطلقة ويعيش مع أختين وأخ يصغره بعام واحد ، وصلاح الملقب بدينار هو آخر العنقود له سبع من الأخوة بنت وستة أولاد وهو الممول الرئيسي للمنظمة وفهد الملقب بعبقرينو يعيش مع والديه وجدته وله أخت واحدة ، هو العقل المدبر للمنظمة . انا يوسف مجرد تكملة عدد في هذه المنظمة . نجلس حول النار حتى الظهيرة نتبادل الألفاظ الجنسية والأحاديث التافه والأكاذيب ليس هناك هدف محدد لنا ، فالحياة مجرد مسرحية الجميع ينتظر إسدال الستار وأي فعل إنساني غير طبيعي مجرد خروج عن النص لا أكثر . في الصف الرابع المتوسط توقف عقلي عن التفكير وأصبح هدفي في الحياة أن أترك الدراسة وليس لهذا الهدف سبب معين فقط كان مجرد نزوة . تركت الدارسة وأصبحت بلا هدف ، الحياة مؤلمة وتكون أكثر إيلاماً عندما لا يكون لك سبب وجيه في الحياة ، من هنا بدأت مسيرة الوجودية لهذه النطفة الصغيرة المتشكلة على هيئة أنا ، فمجرد انك تأكل وتشرب وتتغوط لا يعتبر سبب كافي لوجودك أو الإحساس بجودك . ذات صباح كنا نلعب أنا وصديقي خالد وأثناء مرورنا بالشارع المظاهر لشارعنا لا اعلم انحنى خالد تحت أحدى السيارات لينظر وكنت لا اعرف ماذا يوجد اسفل السيارة ، وبلا تفكير انحنيت معه كي أكتشف مذا يوجد اسفل السيارة . كانت هناك نار صغيرة مشتعله اسفل السيارة ولا اعلم كيف رآها خالد ، واثناء انحنائنا خرج صاحب السيارة من البيت !

رواية - ظل يكسره الضوء

سوف أقوم بنشر هذه الرواية لأرواح كل الذين لم يموتوا بالحروب السابقة 

نيكوتين 

الفصل الأول : إيمان 









6/4/2006

 

حاولوا أن تفهموا قبل المضي قدماً نحو النهاية ، حياتي الشخصية ليست فأر تجارب للآخرين فالآخرين شيء لا يعنيني لهذا يجب أن أخبركم أنني لست المعني في هذه الرواية . كل ما في الأمر إنني تعبت من الحياة وأردت أن أشكلها بطريقة فقط . لا احتاج إلا لعلبة سجائر وقداحة كي أفكر ! أحمد الله أن السجائر ليست منتجات دنماركية فلو كانت من منتجات الدنمارك ! لأصبحت في موقف لا احسد عليه ، عندما اكتشف أبي أنني أدخن عاقب أمي ، لا أعلم لماذا ولكن المهم إنني لم أعاقب . عندما أعطاني صديقي عبدالله السيجارة الأولى في حياتي كأنه أعطاني رجولتي . عندما تلامس السيجارة شفتيك وتحس بحرارتها ، ومنظر الدخان يتصاعد كأنه يعيد رسم ملامحك تحس بنشوة تشبه نشوة الانتصار في معركة ( احضر ولي أمرك ) عندما تنفث الدخان تكون أنت الوصي الوحيد على هذا الكائن المسمى أنت ؟ يجب أن نضع حد لهذه الملل وهذه الرتابة التي تكاد أن تقتلنا . دخنت أو سيجارة في حياتي وأنا هارب من المدرسة ، كل ما تفعله هو أن تتسلق أول جدار أمامك وتجد نفسك في معترك الحياة صديقي عبدالله ينتظر خارج المدرسة وأنا اهرب من المدرسة جميعنا نتفق بالفكرة ولكننا نختلف بالطرح . نتسكع بين المباني حتى نهاية المدرسة وبعدها نعود إلى منازلنا ، أعتقد أن أمي متواطئة معي فعند عودتي من المدرسة تكون ملابسي متسخة إن لم تكن ممزقة وهي لا تكترث كأنني ادرس في مدرسة عسكرية لم تتكلف عناء السؤال عن سبب اتساخ ملابسي  فهي تأخذ الملابس وتضع الطعام اعتقد أنها تستحق العقاب عندما عاقبها أبي ، المدرسة جميلة وأنا احبها ولكنني لا أستطيع أن اطلب من الأستاذ أن لا يأكل بصل في الصباح فرائحته تقتلني . فأنا اعرف كم يقبض المدرس آخر الشهر واعرف التزاماته اكثر من معرفتي للمادة التي يدرسها فهو يتذمر أكثر من الشرح ، أنا متأكد أن الخطأ هو خطأ الوزارة لأنها لا تطلب المظهر اللائق إنما تطلب الشهادة فالحكمة تقول ( دس السم في العسل ) 

تتبع